محمد هادي معرفة
584
التمهيد في علوم القرآن
في الظلام بالسنن خالطتهن البدعة ، فما هذا حاله من التشبيهات خال عن تشبيهات القرآن العظيم وبمعزل عنها كما قلناه . وأمّا المركّبة فكقوله تعالى : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ « 1 » وقوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ « 2 » وقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً « 3 » وحاصل المركّبة أنها في مقصود التشبيه ، تشبيه أمرين بأمرين أو أكثر ، إلى غير ذلك من التركيبات ، ومن تشبيه المفرد بالمركّب قوله تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ « 4 » فشبّه النور المفرد بالمشكاة المركّبة من هذه الأجزاء والأوصاف . فأمّا تشبيه المركّب بالمفرد فلم أجد في القرآن مثالا له وما ذاك إلّا لقلّته وغرابته ، وهو موجود في الشعر على جهة الندرة ، فقد حصل لك ممّا ذكرنا أنّ التشبيهات الواردة في القرآن جامعة للأوصاف التامّة المعتبرة في البلاغة ليس فيها غرابة ولا بعد عن المألوف ، واللّه أعلم بالصواب . ( النظر الثاني ) في الاستعارة ، اعلم أنّ الاستعارة من أشرف ما يعدّ في القواعد المجازية ، وأرسخها عرفا فيه ، ولا خلاف بين علماء البيان في كونها معدودة من المعاني المجازية ، وإنّما الخلاف إنّما وقع في قاعدة التشبيه ، هل يعدّ من المجاز أو لا ؟ وفيه خلاف قد شرحناه ، وأظهرنا وجه الحقّ في ذلك ، فأغنى عن تكريره ، وقد أشرنا إلى بدائع أسراره من قبل ، والذي نذكر هاهنا هو كيفية وقوعها في التنزيل ، وهي واقعة على أضرب أربعة :
--> ( 1 ) إبراهيم : 26 . ( 2 ) البقرة : 171 . ( 3 ) الجمعة : 5 . ( 4 ) النور : 35 .